كاظم حيدر

كاظم حيدر تشكيل

كاظم حيدر


فنان تشكيلي عراقي ولد في منطقة الفضل في بغداد عام 1932، وأبدى ولعه بالرسم منذ كان لا يزال طفلا ناشئا. عندما زار الفنان محمد صالح زكي مدرسته الابتدائية وطلب من التلاميذ رسم سمكة، رسم حيدر سمكة بطريقة فريدة من نوعها، وعندما سئل عن سبب رسمه للسمكة بهذا الشكل، أوضح لزكي بأن السمكة لم تكن ماتت بعد.


درس حيدر الأدب في دار المعلمين العليا في بغداد وتابع في الوقت ذاته دروسا ليلية في معهد الفنون الجميلة في بغداد. تخرج من كليهما سنة 1957. سافر إلى لندن في 1959 لمواصلة تحصيله الفني في الكلية المركزية للفنون (حاليا كلية سانت مارتينز المركزية)، حيث حصل على البكالوريوس في الرسم والليثوغرافية والديكور المسرحي. بعد عودته إلى بغداد سنة 1962، باشر بالتدريس في معهد الفنون الجميلة.


كان كاظم حيدر خلال الخمسينات من أعضاء مجموعة فنانين عرفت باسم الرواد، وعلى غرار فنانين آخرين من هذه المجموعة، مثل محمود صبري، ركزت أعماله إلى حد كبير على شخصية العامل المديني. من خلال رسمه العامل بعضلات انسان خارق، وبذراعين وساقين شبه محفورين عبر خطوط نقية ومتينة، بنى حيدر في نموذجه بعدا أسطوريا يلقي العامل في كفاح بطولي من أجل العدالة. في لوحات مثل "أخبرنا كيف حدث ذلك" (1957) و"صراع البطل" (1958)، حيث يلقي العامل في مشهد من معركة كربلاء، صور حيدر العامل بشكل واضح بوصفه فردا سياسيا وليس مجرد عنصر اقتصادي ليس إلا، في إشارة منه إلى الاحتجاجات العمالية، التي غالبا ما كانت ضد غلاء المعيشة في بغداد، التي قمعتها آنذاك السلطات بعنف.


في إثر انقلاب البعث الأول في شباط 1963، بدأ حيدر العمل على سلسلة من اللوحات تستلهم صورها من مراسم العزاء التي تقام سنويا في ذكرى استشهاد الإمام الحسين. استخدم تقنيات حديثة ومبادئ جمالية مثل التكرار، مستمدة من فنون بلاد الرافدين القديمة، على حد سواء، وذلك في رسمه اللافتات والأشخاص والخيول التي تحيي المواكب وتعيد تمثيل واقعة كربلاء، المعركة التي قتل فيها الإمام الحسين مع عدد من أفراد عائلة الرسول لرفضهم الاعتراف بحق يزيد في الخلافة.


في إعادته تشكيلها في اللوحات، لم تصور تلك المشاهد الطقوس الشعائرية ولا أحداث المعركة التاريخية. بدلا من ذلك، بعد خضوعها لنوع من التجريد في الصيغ الرمزية التي أبطلت تغييرات حيدر الجمالية معانيها الشعائرية والتاريخية، أصبحت مشاهد احتفالات العزاء بمثابة مفردات استخدمها الفنان لرواية كفاح شهيد لا اسم له.


ووفقا لتقليد استخدام الشعر في طقوس الحداد على الإمام الحسين، ألف حيدر قصيدة تروي هذه المعركة بأبيات حديثة، وجعل كل لوحة من السلسلة تتماثل مع أحد أبيات القصيدة.


وعلى الرغم من أنها لم تعد تعبر عن استشهاد الإمام الحسين، أبقت مع ذلك مفردات الأشكال المستخدمة في اللوحات، بالاقتران مع القصيدة، على نفس معاني الرثاء ضمن العمل الفني الحديث، وعلى نفس السعي إلى العدالة الذي تنقله مشاهد طقوس الحداد. عرضت المجموعة المتسلسلة، التي تتألف من اثنتين وثلاثين لوحة من مختلف الأحجام، في نيسان 1965 في المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد، تحت عنوان "ملحمة الشهيد".


باستمداده موضوع لوحاته من مشاهد طقوس الاحتفالات الشعبية بذكرى استشهاد الحسين، اعتبر كاظم حيدر أنه يواصل محاولته الأولى بتجاوز الحدود التقنية في العمل الفني، من خلال إدخال عناصر خارجية فيه. أولى محاولاته في هذا المجال كانت لوحة "الحمّال" (1955) التي يصور فيها عاملا مدينيا يحمل جذع شجرة نخيل وقد ألصق الفنان على القماشة قطعة من جذع شجرة نخيل حقيقية. أدى إدخاله شجرة النخيل في اللوحة إلى تلاشي المسافة المجازية بين العمل الفني والعالم، بين "صورة" العامل الرازح تحت ثقل حمله والعالم الواقعي في بغداد الحديثة التي يعاني فيها العمال. وعلى نفس النحو في "ملحمة الشهيد"، أدى استحضار مشاهد احتفالات العزاء داخل اللوحة ـ وإن ألغى هذا الاستحضار معاني الرموز التاريخية والشعائرية ـ إلى تلاشي الحدود بين العمل الفني واحتفالات العزاء، من خلال التأثير الذي جعل اللوحات تتشبع بالرثاء وبشهادة طقوس ذكرى استشهاد الحسين. مع ذلك، لم يكن ذلك الرثاء وتلك الشهادة في هذا العمل الفني يستهدفان التعبير عن استشهاد الإمام الحسين، بل عن المعاناة التي نتجت عن الانقلاب البعثي الأول في العام 1963.


واصل كاظم حيدر خلال الستينيات والسبعينيات تطوير موضوع الشهادة والاستشهاد، غير أنه اتبع طريقا تتجاوز مشاهد طقوس احتفالات العزاء، نحو استكشاف البعد الأسطوري الذي تنتجه تلك الممارسات الطقوسية. بدا المحتوى السردي في هذه اللوحات الأخيرة بما يجعل هذه الأشكال الرمزية تتجه نحو نوع معيّن من التجريد. إضافة إلى ذلك، أنجز حيدر، مثل العديد من الفنانين العراقيين، بما فيهم ضياء العزاوي، ورافع الناصري، وإسماعيل فتاح ترك وعلاء بشير، أعمالا تستنكر المجازر التي طالت الفلسطينيين في مخيّم تل الزعتر عام 1976، وعرض قسما من هذه الأعمال في بينالي الفن العربي الثاني في الرباط، خلال السنة ذاتها.


في 1983، تم تشخيص حيدر بسرطان الدم وسافر إلى لندن لتلقي العلاج. ورغم أنه استعاد بعضا من قوته، إلاّ أن داء السرطان العنيد نال منه، ولم يعد لدى حيدر حينها المال الكافي لمواصلة علاجه. من أجل مساعدته على دفع تكاليف جولة العلاج الثانية، دعاه ضياء العزاوي، الذي كان آنذاك المدير الفني للمركز الثقافي العراقي في لندن، لعرض بعض من لوحاته في المركز. إلى جانب عرض أعماله من السنوات السابقة، أنجز كاظم حيدر سلسلة من اللوحات بالألوان الزيتية تصوّر معاناته مع جسده الآيل إلى الموت. وكأنما ألقى المرض به خارج جسده، رأى حيدر ذلك الجسد كشيء عضوي وآلي في آن معا، كمشهد مكوّن من الشرايين والأوردة، من الأنابيب والفروع المكشوفة والممتزجة مع العالم السريري المؤلف من الأنابيب والأزهار المحيطة به في المستشفى.


جذب المعرض إلى المركز الثقافي أعضاء من الجالية العراقية، ممن كانوا لا يأتون إليه آنذاك لأسباب سياسية، وبيعت كافة اللوحات. استطاع حيدر الحصول على جولة ثانية من العلاج. ثم عاد إلى بغداد حيث استمر في العمل وأنجز رسومات تحضيرية ومخططات لوحات كبيرة بالألوان المائية. غير أنه توفي عام 1985 بعد عودته ببضعة شهور.