أزمة الكهرباء وسياسة الأزمات

أزمة الكهرباء وسياسة الأزمات مقالات د.حسن عبد راضي

أزمة الكهرباء وسياسة الأزمات


د.حسن عبد راضي


لو غضضنا النظر عن تاريخ ملف الكهرباء منذ حكومة الطاغوت الساقطة حتى يوم الناس هذا، وناقشناها على صعيد ما أنفقته الحكومة الحالية "الإصلاحية" التي جاءت بها الاحتجاجات، فإن المتابع المنصف سيجد أنها تراجعت كثيراً شأنها شأن كل جوانب الحياة الأخرى، فقد انخفضت ساعات التجهيز إلى مستوى خطير لا سيما مع الارتفاع المهول في درجات الحرارة، رافق ذلك فشل حكومي مريع في تسخير الموازنة الكارثية التي خَصصت لمشاريع الطاقة كثيراً من مواردها الآتية من ريع النفط أو من القروض التي أثقلت العراق ومستقبله إلى أمد غير معلوم بفوائد "بنكية" لا يعلم إلا الله والراسخون في الاقتصاد ماذا ستفعل بالاقتصاد العراقي عند استحقاقها، وإلى كم ستدوم آثارها الربوية المتزايدة، ومع ذلك لم نشعر بأي تحسن بل زادت الأمور سوءاً.
ويمكن ملاحظة أن الخطوات الحكومية لحل الأزمة لا تعدو كونها ترحيلاً للمشكلة، أو محاولة حلها حلاً ترقيعياً ستكون له نتائج وخيمة في مستقبل العراق وواقعه الاقتصادي والتنموي، فقد اتجهت الحكومة إلى مشاريع الربط الكهربائي مع الدول المحيطة بالعراق من كل الجهات، ويمكن لأي اقتصادي أن يخمن كيف تبدو هذه الخطوات "كلمات حق يراد بها باطل" ذلك أن الظاهر منها أنها ترمي إلى تحسين واقع الكهرباء في العراق وزيادة ساعات التجهيز، لا نقول القضاء على الأزمة نهائياً لأن ذلك غير وارد في أذهان الساسة العراقيين أبداً، أما الباطن من هذه الخطط والاتفاقات فهو ربط العراق إلى أمد غير منظور بربقة التبعية الاقتصادية و"الطاقية" لمصالح دول أخرى، وتبديداً للتخصيصات الهائلة التي بُوبت في الموازنة لمشاريع الكهرباء.
إن استقدام الشركات الكبرى في العالم لإنشاء محطات إنتاج كهرباء عملاقة قد لا يكلفنا استقدامها نصف الأموال التي سننفقها في الربط الكهربائي، لا سيما أن العراق بلد نفطي كبير، ولن تعوزه الموارد المالية لإنشاء تلك المحطات ولا الموارد البشرية والوقود لتشغيلها، فلماذا نستورد الكهرباء من بلدان لا تملك ما نملك من الموارد ولا من النفط والغاز والموارد الطبيعية، إن ذلك لهو العجب العجاب.
لقد بلغ الأمر بالمواطن العراقي أنه أصبح موقنا أشد اليقين أن نُخبه السياسية لا وظيفة لها إلا تدمير هذا البلد استجابة لمخططات خارجية أو طمعاً بمصالح شخصية أو فئوية أو لأسباب تتعلق بالتشفي الطائفي، ولا يمكنها أن تجد حلولاً لمشكلاته، بل إنها هي من تصنع له المشكلات، وخير دليل على ذلك أزمة رفع أسعار الدولار التي اشتركت فيها الحكومة والبرلمان وكل الساسة تقريباً.
إن تجربة الشقيقة مصر في تحويل أزمة الطاقة الخانقة قبل بضع سنين إلى مورد استثماري يضاف إلى مواردها الأخرى غير الطبيعية لجديرة بالإعجاب، أما الجارة الشقيقة إيران فهي صاحبة القدح المعلى في تجاوز أزماتها وتحويلها إلى موارد اقتصادية، فرغم الحصار الخانق المفروض عليها منذ عقود من السنين، لم تكف إيران عن العمل والإنتاج والابتكار.
غير أننا نحن العراقيين لا نريد أن نظل "نرضع" الكهرباء من ضروع قد تجف أو تنقطع في أية لحظة، كما أن الحسابات الاقتصادية تقول إننا سنظل ندفع طوال حياتنا أثمان ما نشتري من الكهرباء في مشاريع الربط الكهربائي، وأن تلك الأثمان قد تكون كافية للتعاقدات مع شركات الطاقة الكبرى مثل "سيمنس" وغيرها، كما أن المنطق يقضي بأن نستثمر ما لدينا الآن من أموال النفط الذي تعافت أسعاره وعبرت حاجز الـ70 دولاراً منذ مدة ليست قصيرة، وننشئ محطاتنا الكهربائية التي يمكنها أن تغطي حاجة العراق وتفيض عنه، وأية تبريرات حكومية أو سياسية تريد أن تقنعنا بخلاف لك فهي خيانات صريحة للوطن وللشعب الذي ينتظر الخلاص منذ أكثر من خمسين عاماً ولم يحصل عليه حتى اليوم.