عوق الكهرباء والكي بالخصخصة

عوق الكهرباء والكي بالخصخصة مقالات محمد شريف أبو ميسم

عوق الكهرباء والكي بالخصخصة


محمد شريف أبو ميسم 


تبلغ الحاجة الفعلية لاستهلاك الكهرباء في البلاد نحو 25 ألف ميكاواط، بحسب تقرير صادر عن اللجنة التحقيقية البرلمانية في تشرين الثاني الماضي، والذي كشف عن قدرة البلاد على انتاج 19 ألف ميكاواط، وهو ما لا يبدو واضحا خلال هذه الأيام التي تشهد ارتفاعا حادا في درجات الحرارة وانخفاضا في معدلات التجهيز.
التقرير أورد معلومات خطيرة في هذا الملف، ليس أهمها "تمويل وزارة الكهرباء بقروض خارجية تصل مديات تسديدها الى عام 2048 " اذ يعد هذا الأمر بالغ الخطورة في سياق المديونية التي استخدمت كأداة لتركيع الكثير من البلدان لصالح ارادة قوى الاستكبار العالمي، عبر تراكم الفوائد على أصل الدين، الا ان تقديم الضمانات السيادية الى عدد من الشركات الأجنبية، يندرج في ذات الخطورة التي ترهن مستقبل البلاد بيد الدائن. ومع كل ذلك يعاني الشعب العراقي هذه الأيام اللاهبة من سوء خدمة الكهرباء، تمهيدا للقبول بخصخصتها.
والذي يثبت اننا ماضون نحو الخصخصة، ما ورد بالتقرير بشأن انفاق 81 مليار دولار على قطاع الكهرباء خلال 15 سنة الماضية دون جدوى، علما ان كلفة توليد "ألف ميكاواط من الكهرباء تبلغ مليار الى نحو مليار و400 مليون دولار بضمنها بناء المحطات وشبكات التوزيع وشراء أغلى انواع الوقود" وهنا نترك للقارئ احتساب امكانية الانتاج بهكذا مبلغ. والهدر لم يكن في حدود المبلغ المشار اليه، وانما يمتد ليشمل ضياع فرص التنمية الحقيقية جراء تعطل مفاصل القطاعات الانتاجية فضلا عن الهدر في مدخولات العوائل بفعل الانفاق على خدمة المولدات وما يتبعها من نفقات، بجانب الأضرار الجسدية والمعنوية التي تقع على الانسان وبيئة الأعمال، والاحساس الجمعي بالاحباط الناجم عن ضجيج المولدات ودخانها وتشابكات الأسلاك بما يجعل النفس البشرية منكسرة جراء استدامة الفشل، وهذا ما يدجن العقل للقبول بالخصخصة على الرغم من المعارضة القوية لها.
ولكي نؤكد ما نحن بصدده، ينبغي علينا التذكير بأن نموذج الدولة التي يراد صناعتها على أرض العراق، قائمة على نظام ليبرالية السوق التي تمنح السلطة الى رأس المال، ولكي يتم التمهيد لنموذج هذه الدولة، لا بد من خصخصة وظائف الحكومات، ومن هنا كان سبب استخدام الفساد كأداة لاثبات الفشل في ادارة الدولة التي ورثت بقايا النظام الشمولي ليكون العنصر الرئيس في نكوص الذات العراقية وانكسارها بحثا عن الحلول الخارجية.
ولنستدل أولا بما ورد في تقرير اللجنة البرلمانية، ومنه (ان فشل الانتاج كان بسبب بناء محطات توليد بعيدة عن مصادر الوقود، وان الوزارة تعاقدت على انشاء محطات كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي بالرغم من عدم توفر الكميات المطلوبة لتشغيلها، فضلا عن عدم اكتمال الخطوط الناقلة للغاز ، حيث تم تشغيلها باستخدام الغاز الثقيل مما أدى الى انخفاض طاقتها الانتاجية..) ما يعني ان ثمة قصدية يراد بها تعطيل الخدمة في هذا الملف الحيوي، ويمكن أن نصل لمن يقف وراء هذه القصدية، اذا استحضرنا تصريح السفير الألماني في بغداد (أوله دييل) في لقاء متلفز في 9/7/2020 بشأن موقف الولايات المتحدة من توقيع رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي مذكرة تفاهم مع شركة سيمنز الألمانية في نيسان 2019 لتوفير ما معدله أحد عشر ألف ميكا واط بقيمة أربعة عشر مليار دولار، حيث أورد "دييل" ان أمريكا غير سعيدة بذلك" وهنا نستحضر أيضا تصريحا لرئيس سيمنز التنفيذي "جو كيرز" في مقابلة أجرتها معه قناة DW الألمانية في تشرين الثاني 2019 بعد توقيع الجانب العراقي معها، قال فيه، إن الرئيس الأمريكي ترامب لعب دورا في محاولة عرقلة اتفاق الشركة مع الحكومة العراقية، مؤكدا ان "هنالك قوى غير عادية تدخلت في الصفقة" فيما ألمح مسؤولون عراقيون حينها، أنهم تعرضوا لضغوط كبيرة من الحكومة الأمريكية لإعطاء الأفضلية لشركة جنرال إلكتريك. والمثير للسخرية انهم يتكلمون اليوم عن ربط كهربائي مع الأردن ومصر، ما يعني ان قطاع الكهرباء الغارق بالفساد كان وما زال تحت مظلة امريكية وان بدا للبعض انه بادارة عراقية، من هنا يكون علينا أن نراجع حسابات التعويق التي أصابت هذا القطاع والشلل الذي أصاب الحياة والانفاق هدرا في سياق معطيات نظرية الصدمة التي دجنت المجتمع الرعوي ليكون مهيئا لرسملة الحياة وخصخصة وظائف الدولة تحت شعار الليبرالية ومظلة العولمة.